من صدى زمن الغناء الجميل، وصوت الغناء المؤثر بأنواعه وتلويناته، والطرب بتعدد مقاماته وإيقاعاته وأنماطه، تأتينا أسطوانة من حلب، عبارة عن سهرة لمجموعة "شيوخ سلاطين الطرب أحمد خياطة، عبود حلاق، فؤاد ماهر وعامر عجمي.
نستمع في الأسطوانة إلى مقامات وإيقاعات مركبة، ونغمات شرقية غابت اليوم عن أي لحن جديد، السيكاه والهزام والصبا، إلى الراست والبيات، والحجاز، وغالباً بأسلوب الوصلة أو القطع المتتابعة، التي كانت متبعة فيما مضى في السهرات العربية عموماً، ويقدم خلالها مجموعة أغنيات تندرج صمن مقام واحد. تبدأ الوصلة بدولاب معزوفة قصيرة ثم تقاسيم تمهد السلطنة للمغني فيما كان يرغب بالبدء بالموال، أو الموشح، ليأتي الدور وهو النمط الأصعب والأكثر انتقالات مقامية، تليه القدود الحلبية وطقاطيق خفيفة وذات سرعات متزايدة، إذ تتصاعد القطعة من البطيء لتصل الخاتمة أخيراً، وتستمر بعض الوصلات لأكثر من ربع ساعة.
وهنا في الأسطوانة، تستهل مجموعة الشيوخ سهرتها التقليدية بموشح يا زائري في الضحى" بصوت الثنائي أحمد خياطة وعبود حلاق، كانت غنته السيدة فيروز منذ سنوات للملحن السوري المبدع محمد محسن، وهو من ضمن أجمل الموشحات الملحنة حديثاً، يليه موشحات يا غزال الرمل عذبوني لفؤاد ماهر وعامر عجمي، وموشح لم يكن هجري، ومن ثم يا ذا القوام السمهري.
فيما نستمع إلى دور الحب ماهوش بالساهل زبدة التلحين وتصاعد الألحان مع الآهات والتعبير الدرامي، وإلى مقام الصبا وموال على كلمات لقصيدة لا تخفِ ما فعلت بك الأشواق لفؤاد ماهر أحد مطربي الفرقة وصوت كما الآخرين ينتمي إلى حقبة الشيوخ القديرين، كما هي تسمية الفرقة.
يا قلبي ليه بس رميتني طقطوقة من ماهر وعجمي تليها مجموعة من القدود المعروفة عل اليانه اليانه يا مسعد الصبحية ياهويدلك الله هالله يا جملول وأخيراً على حسب وداد قلبي.
استضافت المجموعة في سهرتها الحلبية الحيّة، التونسية بسمة جابر، في أغنيتين. أنا قلبي إليك ميال للراحلة فايزة أحمد، غنتها بمشاركة فؤاد ماهر، وفيما بعد انفردت بغناء ساعة ما بشوفك جنبي للمطربة نجاة الصغيرة، لحن الراحل محمد عبد الوهاب.
بسمة جابر، صوت ينتمي إلى تلك الأصوات القادرة، العريضة، المتقنة، والصادحة، التي تتميز بها منطقة الشمال الأفريقي العربي، لكنها تتميز عن تلك ببحة خاصة محببة في صوتها تضفي الشجن على الأداء، مع تصرّف واضح في الغناء يبعدها عن التقليد، وهذا يوضح إمكانية أو تمكن من النغمات، وبعض الخبرة الجلية، وصوت لا يشبه إلا نفسه.
بسمة جابر مشروع نجمة غنائية، خاصة مع مواصفات الشكل الحسن كما تبدو في الصورة، وهذا الأمر هو الأولوية اليوم، وفيما لو قصدت الانخراط في مجال الغناء الاستهلاكي فإن حلب وسلاطينها، أو شيوخها لن يحققوا لها النجومية المرغوبة، وبالتأكيد سيكون لها شأن في خارطة الغناء رغم الزحام، فيما لو عرفت من أين تؤكل الكتف، وعثرت عليها أو سمعتها إحدى أكبر شركات الإنتاج المعروفة اليوم، فسوف تكون جنباً إلى جنب مواطناتها اللواتي سبقنها إلى مصر في القريب العاجل.