2007-12-06
أحد سلاطين الطرب، وسفير الأغنية العربية إلى العالم كله. ابن حلب الذي صدح بالقدود والقصائد ونفض الغبار عن تراثنا الموسيقي، فتلألأت حنجرته الذهبية بأجمل الأغنيات. وخلال ستين عاما من الغناء تربى الملايين على صوته الذي ازداد نضجا بمرور الزمن. كرمته عشرات الدول والنقابات والمهرجانات الفنية، وحفلاته دائما كاملة العدد. لا يختلف أحد على أصالته وكونه أحد حراس التراث الموسيقي العربي.
النهار التقته في حوار عفوي، فحلق بنا بين الماضي والحاضر وجديده الذي يحضر له. وإلى التفاصيل:
كرمتك دول كثيرة، فما التكريم الأقرب إلى نفسك؟
بالفعل كرمت من ملوك ورؤساء ودول عدة لكن أقرب تكريم إلى نفسي هو تكريم بلدي الذي يأتي في المقدمة. فللمرة الأولى يكرم الرئيس بشار الأسد فنانا سوريا ويمنحه بنفسه وساما بدلاً من أن ينيب عنه وزيراً كما جرت العادة. وهذا كان له وقع كبير في نفسي لأن تكريم الفنان دليل حضارة، وتثبت سورية من خلاله أنها بلد العطاء والأصالة والحضارة. كما أعتز بتكريم الجماهير العربية لي اينما ذهبت.
صوت تدندن له، بعيدا عن أغنياتك المعروفة؟
أسمع وأطرب للمدرسة القديمة بكل أنواعها.. ففي كل أغنية أو قصيدة تجد مقطعا قريبا من أذهاننا نردده. وأنا أعشق من كل روض زهرة. خصوصا أننا تربينا على جيل عبد الوهاب وأم كلثوم وغنينا لهما في البدايات وحاولنا تقليد العمالقة الكبار حتى صارت لنا بصمة خاصة. وباستمرار كنت أدندن ألحان القصبجي والسنباطي وزكريا أحمد وبليغ حمدي وسيد مكاوي إلى جانب أساتذتي مصطفى الطراب وأسعد سالم ومحمد النصار وبكر كردي.
ألا تسمع ما يقدمه الشباب
الشباب نوعانالأول يقدم الغناء المرئي ومعظمهم من عارضي الأزياء والثاني يقدم غناء السمع، ويمتلك الموهبة والأداء. ودائما الخير لا ينقطع بين الأجيال لكنه يزيد وينقص بنسب لأن كل فنان له قدراته الخاصة. ولا أريد ذكر أحد من الشباب حتى لا يزعل من أنساه خصوصا أن البعض يعتبر نفسه تلميذا لي. لكن من بين المطربات أرى ان أصالة هي الأولى عربيا.
لك عشرات القصائد والموشحات والأدوار، لكن ما اشتهر منها القليل فقط، فما السبب؟
هناك أغنيات بسيطة نالت شهرة وأحبها الناس ورددوها لأنها تتناسب مع مستوى ثقافتهم الفنية واللغوية. ومع ذلك هناك أدوار صعبة نفضت عنها الغبار وأعدت غناءها وهذه أعمال لـ السميعة وذوي الاختصاص، وأراها أكثر قيمة حتى لو لم تشتهر بين الجمهور العادي.
أربعة وسبعون عاما ومازالت حنجرتك في كامل لياقتها وتألقها، فكيف حافظت عليها؟
هذا فضل من الله، فعادة الصوت يهرم والحنجرة تتأثر بالشيخوخة. لكن ربنا أعطاني حنجرة نعمة إلهية مازالت في نضارتها وشبابها وازدادت أداء كمساحات صوتية وتعتيقا. والمعروف أن الأصوات التي تبقى طويلا، قليلة.
هل هناك طقوس معينة تحافظ بها على سلامة الحنجرة؟
كل مهنتي في حنجرتي فلا بد ان أبتعد عن كل مأكل ومشرب يسيء عضويا إليها. كما أبتعد عن كل ما يسيء إلى النفس والرئتين وكذلك الأطعمة الثقيلة على الهضم ولا اكل الحار والبهارات وحتى في عز الصيف لا اشرب الماء البارد. فالحياة زائد وناقص، أضحي بملذات من جهة لأكسب من جهة أخرى و أداري صحتي لأحافظ على صوتي. ودائما أقول الصوت السليم في الجسم السليم خصوصا أن الانسان عندما يكبر يزداد عمقا وأداء وإحساسا.
المعروف أنك حققت رقما قياسيا عالميا بالغناء عشر ساعات متواصلة، فكيف تحقق ذلك؟
كنا في العام 1968 وأثناء حفل في كاراكاس في فنزويلا وغنيت من العاشرة مساء وحتى الثامنة صباحا. وهذا له أسبابه أهمها إن حنجرتي قادرة على الغناء لساعات ولدي مخزون فني ومكتبة غنائية أغرف منها كما أشاء. وكذلك التفاعل والتواصل مع الجمهور حتى لا يهرب مني إذا شعر بالملل أو أن الحفلة طالت أكثر من اللازم. فيومها ظل الجمهور متفاعلا معي ويطلب المزيد حتى الصباح خصوصا أن المغترب لديه حنين جارف إلى الغناء الذي يعبر عن روح بلده. ولدي حفلة في حلب استمرت من الثانية عشرة مساء وحتى السادسة صباحا.
ألا ترغب في تكرار مثل هذه التجربة؟
أملك الطاقة والقدرة على الغناء لكن الجمهور نفسه تغير. ولم يعد مرتاحا فهو متوتر وقلق ولن يبقى مصغيا لك أكثر من خمس ساعات وبسبب ظروف الحياة قد يهرب منك.
رقصتك الشهيرة التي تؤديها على المسرح أثناء الغناء، ماذا تعني لك؟
هي رقصة الروح. عندما تنتشي الروح ترقص، فالجسد آلة تحركها الروح وإذا انطلقت الروح ينعدم الجسد. مع النشوة نتمايل ونرقص وربما يمزق البعض ثيابه. ورقصتي هذه لا تحدث إلا إذا وصلت إلى حالة روحية لدرجة أنني لا أرى أحدا أمامي على المسرح سوى أنني أحلق وحدي في الفضاء.
ما حكاية المعهد الذي تستعد لافتتاحه قريبا؟
مشروع هذا المعهد يراودني منذ عشرين عاما لكنه تأخر لانشغالي ثماني سنوات قضيتها نقيبا للفنانين السوريين ثم أربع سنوات عضوا في مجلس الأمة. وهدف المعهد حماية ثقافتنا الفنية وتراثنا وتكوين جيل شاب يحمل اللواء. وسيتم افتتاحه قريبا برعاية الرئيس بشار الأسد.
ألا تهدف من ورائه إلى الربح؟
لو أخطط للربح لوضعت فلوس المعهد في مشروع مدرسة تدر علي الملايين كما يفعل البعض. بالعكس لو جاءني شاب موهوب وليس معه نقود سأنفق عليه، ولذلك لم أحدد شرط السن واكتفيت بشرط الموهبة والاستعداد لتربية أجيال شابة تكمل المسيرة.
تعتبر نفسك مطرب القدود الحلبية؟
لا . بل أعتبر نفسي مطرب التراث العربي كله . غنيت لجميع العمالقة مثل أم كلثوم وسيد درويش ومحمد عثمان وقدمت لهم ضيعت مستقبل حياتي والفل والياسمين والورد، وياللي بتشكي من الهوا و ياما أنت وحشني وغيرها. وهذا التراث كان مصيره إلى الزوال لو لم يجد من يحفظه نظرا لعدم وجود أجهزة باستثناء الاذاعات القديمة ومعظمه لم يسجل. كما قدمت القصائد والموشحات الأندلسية والفلكلور العراقي والسوري. ونقلت كل هذا التراث الى اوروبا وأميركا. ولولا أنني لا أجيد اللهجة الخليجية لقدمت تراثها أيضا، لكن المطرب الخليجي أقدر مني على نطقها والأداء بها.
حلم لم تحققه حتى الآن؟
إصدار كتاب ما غناه صباح فخري يجمع كل ما غنيته.. لست بحاجة إلى دعم أحد، وحاليا أجهز للمشروع لطرح الكتاب مع اسطوانات ونوتة موسيقية. لشرح سبب اختياري لكل أغنية والمناسبة التي قال فيها الشاعر قصيدته ومعاني المفردات وجماليات الأبيات ، ثم شرح نوع الأغنية للتفريق بين القدود والأدوار والطقاطيق. فالكتاب موسوعة شاملة وسيكون إنجازا فريدا للمشتغل والدارس في حقل الموسيقى والغناء. إلى جانب أنني أكتب سيرتي الذاتية لتوثيق مشوار حياتي وأريده كتابا جذابا فربما يتحول إلى فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني.
بعد هذا المشوار الطويل مع الغناء، ماذا يعني لك الفن؟
رسالة لنشر الثقافة الفنية. فأنا صاحب رسالة للارتقاء بالروح.
وماذا تقول للشباب؟
عليهم بالعمل المتواصل والجاد ، فالانسان إذا لم يؤمن برسالته ويعمل باخلاص لن يحقق النجاح، لذلك أعتبر نفسي تلميذا وأتعلم كل يوم وهذه خلاصة تجربتي في الفن.